عاشوراء نصرة.. وهلاك الطغاة

عز الدين الكومى 

جاء فى الصحيحين من حديث ابن عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ – رضي الله عنهما – قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – الْمَدِينَةَ فَوَجَدَ الْيَهُودَ يَصُومُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَسُئِلُوا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالُوا: هَذَا الْيَوْمُ الذي أَظْهَرَ اللَّهُ فِيهِ مُوسَى وَبَنِى إِسْرَائِيلَ عَلَى فِرْعَوْنَ، فَنَحْنُ نَصُومُهُ تَعْظِيمًا لَهُ، فَقَالَ النَّبِىُّ – صلى الله عليه وسلم -: « نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ»، فَأَمَرَ بِصَوْمِه.

وكما كان اليهود يعظِّمون يوم عاشوراء ويصومونه، ويتخذونه عيدًا لهم؛ كذلك كان العرب في الجاهلية يصومونه، ويعظمونه ويحتفلون فيه.

قال النووي: “كان النبي ـ صلى اللّه عليه وسلم ـ يصومه بمكة، فلما هاجروا وجد اليهود يصومونه فصامه. إنّ يوم عاشوراء يعدّ امتدادًا طبيعيًّا بين الأنبياء، وأنهم أمة واحدة من لدن أبينا آدم – عليه السلام – إلى محمد – صلى الله وسلم ـ على الجميع، فعقيدة الأنبياء واحدة، وإلههم واحد، فلا اختلاف فيما بينهم إلا في تفاصيل الشرائع التي أتى بها بعضهم، أما الأصل فلا اختلاف فيه ولا افتراق.

ومع أنّ النبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ صام يوم عاشوراء إلا أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قرر أن يخالف اليهودَ بصيام يومٍ آخرَ مع عاشوراء، فقال صلى الله عليه وسلم: “لئن بقيتُ إلى قابل لأصومَنّ التاسع”.

وفي هذا الحديث إشارة واضحة إلى ضرورة تميز المسلم عن غيره من أهل الملل الأخرى، وأن تكون له شخصيته المستقلة بين الجميع، وأنْ لا تذوب تلك الشخصية في غيرها من شخصيات غير المسلمين، كما هو حال كثير من شباب الأمة الذين يتشبهون بالغرب تارة و الشرق تارة أخرى، في ملابسهم ومناهجهم وطرائق عيشهم، وغير ذلك.

قال ابن رجب ـ رحمه الله تعالى -: (أما اتخاذه مأتمًا كما تفعله الرافضة لأجل قتل الحسين ـ رضي الله عنه – فهو مِن عمل مَن ضلَّ سعيه في الحياة الدنيا وهو يحسب أنه يحسن صنعًا، ولم يأمر الله ولا رسوله ـ صلى الله عليه وسلم – باتخاذ أيام مصائب الأنبياء وموتهم مأتما، فكيف بمن دونهم).

وسبب صيام عاشوراء أن عدو الله فرعون حينما تجبر وطغى وكفر، ونكل ببني إسرائيل، جمع موسى ـ عليه السلام ـ قومه للخروج، وتبعهم فرعون، أمر الله موسى ـ عليه السلام ـ أن يضرب البحر بعصاه “فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ” [الشعراء: 63]، فأراد فرعون أن يلحق بموسى ـ عليه السلام ـ وقومِه، فأغرقه الله ـ عز وجل ـ ونجى الله موسى ومن معه من بني إسرائيل، قال تعالى: “وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِين“[الدخان: 30].

وقد جاء في فضل صيام عاشوراء: عن أبي قتادة ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ ـ أن رَسُول اللَّهِ ـصَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمـ سئل عن صيام يوم عاشوراء فقال: “يكفر السنة الماضية” رَوَاهُ مُسلِمٌ.

والمراد أنه يكفر الصغائر، وهو على نصف فضل يوم عرفة، وعلى الرغم من أن عاشوراء هو اليوم الذي نجى الله ـ تعالى ـ فيه موسى ـ عليه السلام ـ وقومه، ومع ذلك فرح رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ به، ولما رأى اليهود يصومونه أمر بصيامه؛ لأنه أولى الناس بموسى فرحا بنجاته، لا من حرفوا الدين، قال في الفتح: “وحديث ابن عباس يدل على أن الباعث على صيامه موافقتهم على السبب وهو شكر الله _تعالى_ على نجاة موسى” فإذا كان الرسول _صلى الله عليه وسلم_ يُشغل بحدث كان فيه نجاة للمؤمنين مضى عليه مئات السنين، بل بأكثر من ذلك فقد ورد أن في هذا اليوم كان نجاة نوح _عليه السلام_، وأن موسى _عليه السلام_ نفسه كان يصومه شكراً لله على نجاة نوح _عليه السلام_ من الطوفان.

فقد قال ابن حجر: “وقد أخرج أحمد من وجه آخر عن ابن عباس زيادة في سبب صيام اليهود له وحاصلها أن السفينة استوت على الجودي فيه فصامه نوح وموسى شكراً، وكأن ذكر موسى دون غيره هنا لمشاركته لنوح في النجاة وغرق أعدائهما.

وأين المسلمون اليوم من هذه الرابطة بين المؤمنين حيث إن كثير من المسلمين لا يتأثروا لما يصيب إخوانهم من شدائد على الرغم من وصف النبى صلى الله عليه وسلم للمؤمنين فى الحديث بقوله: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى سائر الجسد بالسهر والحمى”.

ومما لا شك فيه أن التأمل في هذا اليوم الذي نجى الله _تعالى_ فيه موسى _عليه السلام_ وقومه من عدوهم المتجبر يبعث في نفس المسلم الأمل، ما يجعل المسلم يطمئن قلبه لوعد الله تعالى بنصر المؤمنين، ونجاتهم من عدوهم.

تعليقات فيسبوك
(Visited 54 times, 1 visits today)

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *