رسالة النصر والهزيمة

 بقلم : هنــاء عمــر
لا يمكن أن تمر الذكرى الثالثة والأربعون لحرب السادس من أكتوبر دون أن نتوقف عندها قليلاً، ونفخر على الأقل كونها ضد الصهاينة أعداء الدين والأمة والإنسانية جمعاء وهو الأمر الذي لا جدال فيه، واتفقنا أو اختلفنا حول نتائج المعركة وجدواها، فقد حققت على اي حال ما قامت من أجله، فوفق شهادة الفريق سعد الدين الشاذلي – رحمه الله – أحد أبطال المعركة في مذكراته، أن الخطة وضعت لتحقق هدفا معيناً هو التمركز في الضفة الشرقية لقناة السويس، واسترداد جزء صغير جدا من سيناء بعمق 15:10كم ، من عرض القناة الذي يبلغ 220كم، ولم يكن الهدف من الحرب تحرير كامل سيناء الذي كان يتطلب خطة أخرى تحتاج امكانات بشرية و عسكرية من طائرات وخلافه لا تتوفر ولا يمكن توفيرها في ذلك الوقت .. أي انه لم يكن بالامكان أكثر مما كان.ثم ما حدث بعد ذلك لم يكن الا تحايلاً على النص، ولعل ما يعنينا حقاً هو ان نفطن لبعض الدروس التي كشفتها السنون من هذه الحرب التي بوركت بإخلاص نوايا أبطالها الحقيقيين، فلا يعيبهم ابداً أو ينقص من حجم تضحياتهم، سياسات الأنظمة المتعاقبة التي تسببت في تشويه ومسخ النصر الذي حققوه. الدرس الأول الذي يجب أن نتعلمه و نتدارسه جيداً في معاركنا المختلفة، هو تقسيم الأهداف، أن تحدد هدفاً، ولو صغيراً، يتناسب مع إمكاناتك وقدراتك وتضع له أفضل الخطط وتنفذها بدقة وتنجح في تحقيقه ثم يدفعك النجاح الى تطوير خطتك وتعزيز امكاناتك فتتبعه بهدفك التالي ثم الذي يليه وهكذا حتى تنتهي إلى تحقيق أهدافك كلها، أفضل كثيراً من أن تحدد هدفاً أو مجموعة أهداف غير واقعية لا تقوم على الصراحة مع النفس والعلم بواقع الإمكانات المتاحة لديك فتنتهي بفشل ذريع يصيبك وجنودك بالإحباط الذي يدفع نحو مزيد من الفشل والهزيمة.أما الدرس الثاني والأهم، فنتعلمه من عدونا، وهو التخيط طويل المدى وحرب تغيير العقائد والمفاهيم، لتحويل الهزيمة الساحقة إلى نصر مبين، فبشهادة الاسرائيليين أنفسهم، تعد حرب أكتوبر أكبر صفعة وُجهتلهم في تاريخهم، ولكنهم تعلموا الدرس سريعاً، واستجمعوا شتاتهم، وفطنوا إلى مواطن القوة في عدوهم، مصر والعرب، من إتحاد و تحديد أهداف وصدق نوايا وتفاني المخلصين وتغليب الأمة على الدولة و الجماعة على الفرد..الخ، حددوا أهدافهم التي لخصوها في”امبراطورية صهيونية من النيل الى الفرات” فكانت اول خطواتهم تحقيق ضمانة فعلية لعدم تكرار مشهد أكتوبر مرة أخرى، وكانت كامب ديفيد، وبحجة تحرير الأرض وتحقيق مكسب سهل وسريع، وقعت مصر وثيقة التنازل عن السيادة والريادة والقضايا ..الخ والمقابل، انسحاب صوري لليهود من سيناء، وبدأ مشوار الألف ميل، وعلى مدار 4عقود من العمل الدؤوب، استعانوا فيه بالخونة والطامعين من أبناء الأمة، فجيشوا فريقاً من العملاء المأجورين الذين عملوا بدورهم على تغييب وعي الشعوب بتزييف الحقائق وترويج الأكاذيب.. لم يغب الهدف الرئيس عن اعين الصهاينة لحظة واحدة، حتى بدأوا مرحلة جني الثمار، فها هي مصر صاحبة نصر أكتوبر العظيم تبارك تغيير اسم معبر “طابا” ليحمل أسم السفاح “بيجن” الذي قتل المئات من ابنائها و حاربه جيشها يوماً ما، وها هو رئيس الأرض التي ما زالت “إسرائيل” تحتلها وتمعن القتل في أهلها حتى لحظتنا هذه، يشيع بل ويبكي السفاح مجرم الحرب “بيريز”الذي قتل شعبه.هكذا كان تعامل العدو، المغضوب عليه، بوصف القرآن الكريم ، المحتل المغتصب للأرض..هكذا تعامل غير صاحب الحق مع الهزيمة، فأحالها إلى نصر”مؤقت” فهزيمته آتية ومحققة لا محالة، ودولته إلى زوال، لا جدال كما اخبرنا الله في كتابه الكريم “وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا. فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مفعولا “(سورة الاسراء:4،5).ولكن ليس هذا هو بيت القصيد، فإن ما يعنينا الآن هو تعلم الدرس فالأحرى بنا نحن أصحاب الحق والقضايا العادلة أن نستعن بالله ونخطط لاسترداد حقوقنا المسلوبة واستعادة كرامة أمتنا التي أهدرها الخونة المحسوبون عليها، ونخطط ونصبر ولا نستبعد الطريق ، ولا نيأس ولا نستضعف أنفسنا، فكم من مرة ابتليت الأمة بكبوات ثم استنهضت بعزائم مخلصيها ويقينهم بموعود الله وتفانيهم في البذل العطاء، فخلفت بعد الكبوات صفحات مشرقة في تاريخها، فلماذا لا ننهض وننفض عن أنفسنا اليأس والوهن ونسترشد بحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم (تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا،ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ ، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ،ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا،فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ ،ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ الله ُأَنْ يَرْفَعَهَا ، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيّاً،فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا،ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ ، ثُمَّ سَكَتَ) ليبقى الأمل برغم الألم، لنقرر أن نكون نحن رافعي لواء الخلافة على منهاج النبوة .

تعليقات فيسبوك
(Visited 30 times, 1 visits today)

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *