هل قيادات الجماعه هم سبب الدماء التى سالت؟

عز الدين الكومى 

كتب أحد الأحبة مقالاً قال فيه: عندما تكون مسئولا أيا كان موقع مسئوليتك وقد توليت على أي جماعة من البشر، ناهيك عن صفوة من المسلمين الذين نذروا حياتهم فداء لدينهم، وواجهت بهم تحت ولايتك ما هو محتم ومعلوم سلفا لك ولهم من مقتضى التدافع بين الإسلام وأعدائه، فكان أداؤك باهتا مترددا، وعجزت عن القيام بواجباتك الحتمية في تحقيق غاية إمارتك عليهم بل في حمايتهم وحماية إسلامهم، مما هو معلوم من مسئولية كل راع عن رعيته، أو فاجأتك تجاوزات مباغتة أو تداعيات لم تكن في حسبانك، وأدت إلى كارثة كاسحة، وأضرار بالغة، وتلف عظيم في الأنفس أو في الأموال أو في الأعراض أو في الدين، وسواء كان ذلك بعلمك أو بغير علمك، وسواء بتعمدك ذلك أو رغما عنك، وسواء كان بقصد أو بدون قصد، وسواء بسبب مباشر خلل في قيادتك شخصيا أو ممن ترأسهم، وسواء كنت مسئولا عنهم مباشرة أو ضمنيا، فإن علماء الإسلام في ذلك مذهب واحد لا خلاف فيه، ألا وهو أن تقدم استقالتك فورا وتتنحى عن كل مسئولية تاركا الطريق مفتوحا لمن هو أجدر منك وأكفأ.

وقد طلب مني أحد الأخوة الرد على هذا الأخ، وقد حاولت أن ألتزم أقصى درجات اللياقة واللباقة فى الرد على هذا الأخ، وذلك على النحو التالي:

أولا: بداية حاول الأخُ الكاتب ممارسة نوع من الإرهاب الفكري بتسويق كلامه على أنه الرأي الوحيد ولا يوجد له مخالف، ظنا منه أنه بهذه الطريقة سوف يرهبنا فكريا أو نسلم له بما يقول، وكأنه الحق الذي لا مرية فيه، ولكن نقول له: حنانيك، ونتمثل قول الإمام “الشافعي”: قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب.

ثانيا: نقول للأخ الكريم: أن الأستاذ مصطفى مشهور رحمه الله قد شبه المِحنة بمحرقة قمينة الطوب، حيث يقول فمنه يخرج الطوب السليم الذي يبنى به، والطوب الهش الذي لا ينتفع به، والطوب الأسود الملتوي الذي لا يصلح استخدامه في البناء وهو الانحراف الفكري.

كما يقول رحمه الله فى موضع آخر: وفي جو المحن ومع طول أمدها يتهيأ الجو لتساؤلٍ آخر، وربما يُثيره البعض كتشكيكٍ وهو: هل هذه المحن والضربات نتيجة أخطاء وقعت فيها القيادة؟ وهل من الممكن تفاديها؟ نعود إلى السيرة لنجد فيها الإجابة فنجد أن ما تعرَّض له رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته من إيذاء وتعذيب لم يكن نتيجة أخطاء وقعوا فيها، ولكنه الموقف الطبيعي لأعداء الله من دعوة الله والدعاة إلى الله، إنهم يحسون فيها الخطر على باطلهم وعلى سلطانهم القائم على البغي والظلم، ويعلمون أن في قيام دعوة الحق وانتصارها قضاء على باطلهم وهزيمة لهم، فهم لذلك يحاربونها ويحاولون القضاء عليها قبل أن تقضي عليهم؛ لكنهم يفشلون في ذلك لأنها دعوة الله ونور الله، ولن يطفئ نورَ الله بشر (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (الصف-8).

ثالثا: الأخ يدعي الإجماع فى قضية من قضايا السياسة الشرعية التي تخضع للاجتهاد، الذي يثاب القائم به في كل الأحوال، هذا من ناحية؛ ومن ناحية أخرى لو راجعنا أحداث السيرة بعد غزوة أحد وما حدث من طمع الأعداء فى المسلمين سوف يزيد الأمر وضوحا، وسوف نقف عند حادثتين، وهما: حادثتا بئر الرجيع وبئر معونة، ما يؤكد أنه لا بد للدعوة من تضحيات.

فهؤلاء الصحابة أرسلهم النبي صلى الله عليه وسلم معلمين ومفقهين ولم يرسلهم مقاتلين أو محاربين، ومع ذلك وقعت لهم هذه المجزرة الرهيبة الدنيئة، وحصل عليهم هذا الغدر المشين، لكن ذلك كله لم يَفتّ في عضدهم ولم يفتّر من همتهم، ولم يكسر أبدا عزمهم على مواصلة الدعوة إلى الله وخدمة دين الله، لأن مصلحة الدين فوق مصلحة الأنفس والدماء، إذ الدعوة لا يكتب لها النصر إذا لم تبذل في سبيلها الأرواح والمهج، ولا شيء يمكّن للدعوة في الأرض إلا استرخاص التضحيات من أجلها، فالدعوات بدون تضحيات فلسفات وأخيلة تلفّها الكتب وترويها الأساطير ثم تطوى مع الزمن.

ومن المواقف الرائعة فى حادثة بئر معونة موقف حرام بن ملحان رضي الله عنه عندما اخترق الرمح ظهره فخرج من صدره فأخذ يتلقى الدم بيديه ويمسح به وجهه ورأسه وهو يقول: فُزْت ورب الكعبة، هذا المشهد العظيم وهذه العبارة الجميلة جعلت جبار بن سلمى الذي طعن حرام بن ملحان يتساءل عن قوله: فزت ورب الكعبة، فقال إن مما دعاني إلى الإسلام أني طعنت رجلاً منهم برمح فخرج من صدره، فسمعته يقول: فزت ورب الكعبة، فقلت في نفسي: ما فاز، ألست قد قتلت الرجل؟ فسألت بعد ذلك عن قوله، فقالوا: فاز لعمر الله بالشهادة، فكان سبباً لإسلامي.

والشاهد هنا: لم نسمع أحداً من الصحابة قال: أن النبي صلى الله عليه وسلم ألقى بأصحابه فى المحرقة، ولم يوفر لهم حماية ولم يوفر لهم خطة للانسحاب ولا خطة تأمينية، ولم يصف أحدهم هذا الموقف بالفشل، وما إلى ذلك مما نسمعه اليوم من هذه التنظيرات.

رابعا: فى سَرية أو غزوة مؤتة حيث أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم جيشا لا يزيد عدده على ثلاثة ألاف مقاتل فى بلاد بعيدة ليلاقى جيشا قوامه مائتي ألف مقاتل، ويقيم فى أرضه، ولم يقل أحد من المسلمين أن هذا انتحار أو مغامرة عسكرية غير معلومة العواقب، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم مؤيد بالوحى.

خامساً: الكاتب يخلط الأمور ببعضها، ويزعم أن هذا موقف فقهي واحد لا نزاع فيه، حيث ادعى أنّ طلب الإمارة أو الولاية مذموم قولا واحدا، فمن قال أنه لا نزاع فيه؟ لأن أهل العم قالوا: أن للإمارة فضائل كثيرة، وذلك لمن قام بها على الوجه المطلوب، واتخذها قربةً يتقرب بها إلى الله، كما قال ابن تيمية: (الواجب اتخاذ الإمارة ديناً وقربةً يتقرب بها إلى الله، فإن التقرب إليه فيها بطاعته وطاعة رسوله من أفضل القربات، وإنما يفسد فيها حال كثيرٍ من الناس؛ لابتغاء الرياسة أو المال بها). ومن فضائل الإمارة ما يلي:

1. حديث عبد الله بن عمرو – رضي الله عنهما – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ المقسطين عند الله على منابر من نور، عن يمين الرحمن – عز وجل – وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وُلّوا».

2. حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سبعةٌ يظلّهم الله يوم القيامة في ظلّه يوم لا ظلّ إلا ظلّه، إمامٌ عادل … » الحديث. وقد علَّق العز بن عبد السلام على هذا بقوله: “وأجمع المسلمون على أن الولايات من أفضل الطاعات، فإن الولاة المقسطين أعظم أجراً وأجلّ قدراً من غيرهم؛ لكثرة ما يجري على أيديهم من إقامة الحق ودرء الباطل، فإن أحدهم يقول الكلمة الواحدة فيدفع بها مائة ألف مظلمة فما دونها، أو يجلب بها مائة ألف مصلحة فما دونها، فيا له من كلامٍ يسير وأجرٍ كبير، وقال البدر العينى فى عمدة القاري: قدّم الإِمَام الْعَادِل فِي ذكر السَّبْعَة لِكَثْرَة مَصَالِحه وَعُمُوم نَفعه، فالإمام الْعَادِل يصلح الله بِهِ أمورا عَظِيمَة، وَيُقَال: لَيْسَ أحد أقرب منزلَة من الله تَعَالَى بعد الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، من إِمَام عَادل.

3. حديث عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم -: «لا حسد إلا في اثنتين: رجلٌ آتاه الله مالاً فسلَّطه على هلكته في الحق، ورجلٌ آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها»، قال ابن حجر: “وفي الحديث الترغيب في ولاية القضاء لمن استجمع شروطه، وقوي على أعمال الحق، ووجد له أعواناً؛ لما فيه من الأمر بالمعروف، ونصر المظلوم، وأداء الحق لمستحقه، وكفّ يد الظالم، والإصلاح بين الناس، وكلّ ذلك من القربات، ولذلك تولّاه الأنبياء ومن بعدهم من الخلفاء الرّاشدين.

4. حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال يوم خيبر: «لأعطين هذه الراية رجلاً يحب الله ورسوله، يفتح الله على يديه» قال عمر بن الخطاب: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ، قال: فتساورتُ لها رجاء أن أُدعى لها، قال: فدعا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عليَّ بن أبي طالب، فأعطاه إياها، وقال: «امش ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك»، قال: فسار عليٌّ شيئاً، ثم وقف ولم يلتفت، فصرخ: يا رسول الله! على ماذا أقاتل الناس؟ قال: «قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإذا فعلوا ذلك، فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله». وقد نصّ محمد ابن الحسن الشيباني على فضل الإمارة، فقال: “ولهذا كانت الإمارة والسلطنة بالعدل، أفضل من التخلي للعبادة، كما اختاره الخلفاء الراشدون؛ لأن ذلك أعمّ نفعاً”.

ساساً: الاستدلال بمنهج عمر فى عزل الولاة رغم صلاحهم استدلال غير صحيح؛ لأن عمر كان له منهج فى عزل الولاة، فإنه لما عزل سعد بن أبي وقاص قال: إني لم أعزله عن عجز ولا خيانة، وجعله من ضمن الستة أهل الشورى، وكان عمر رضي الله عنه يرى تحديد مدة الوالي بأربع سنين، وقال – أي عمر-: فإن كان عادلا ملّه الناس، وإن كان جائرا يكفيه من الجور أربع سنين.

سابعا: نجد الكاتب يستعير بعضا من مصطلحات أحمد منصور فى هجومه على القيادة، وتأكيده على فشلها كما يزعم، ونقول له: على رِسلك، لم كل هذا السيل من الاتهامات مع أنه كلام مرسل ليس له زمام ولا خطام، وخلط للأمور ببعضها، ففي حديثه عن الاجتهاد ادعى أنه لا يكون إلا فى المسائل النظرية فقط؛ وهذا القول مردود عليه، حيث يقول الإمام الشافعي رضي الله عنه في كتابه “الرسالة”: (كل ما نزل بمسلم ففيه حكم لازم، أو على سبيل الحق فيه دلالة موجودة، وعليه فإذا كان فيه بعينه حكم لزم اتباعه، وإذا لم يكن فيه حكم بعينه، طلب الدلالة على سبيل الحق فيه بالاجتهاد).

ثامنا: وأما عن اتهامه للقائد الذي يخطئ ويعتذر بأنه قد أخذ بكل الأسباب ولم يأل جهدا، بأنه غير شاعر بواجب الحساب العسير يوم القيامة، وأنه سيحاسب عما أتلف من الأرواح في كل الأحوال؛ فغن اتهامه هذا من التجني ورمي التهم دون تحري الدقة، واستدلال بالنصوص فى غير موضعها، وإلا كيف لمن يتولى أمر الجماعة ويكون من الذين لا يعرفون الحساب ولا يشعرون به كما لو كنا أمام عصابة من عصابات الحزب الوطني أو العسكر أو غيرهم من العلمانيين واليساريين؟؟.

تاسعا: يستمر الكاتب في خلطه للأمور وتجنيه قائلا: أنه في عماية تامة عن مواطن الاجتهاد وشروط المجتهد وما إذا كان أهلا للاجتهاد من عدمه, وحكم من اجتهد ولم تكن له الأهلية، وفرق الاجتهاد في الأمور النظرية كالترجيح بين المذاهب الفقهية، والأمور العملية كالذي اجتهد في العلاج وليس بطبيب أو في قيادة السيارات بالناس وليس بسائق، وهذا كلام فيه نظر لأن مَن تولوا القيادة في جماعة “الإخوان المسلمين”، هم من خيرة علماء مصر في التخصصات المختلفة، وأنّ الرئيس “محمد مرسي” الذي رشحته مجلة التايم الأمريكية الشهيرة شخصية العام سنة 2012، والشخصية الأكثر تأثيرا في العالم، والحائز على لقب أفضل برلماني في العالم خلال دورة 2000 / 2005، كان قبل ذلك أحد القيادات.

كما أن الدكتور محمد بديع المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين اختير ضمن أفضل مائة عالم عربي في تخصصه.

والأستاذ محمد مهدي عاكف الذي اختير فى المرتبة الثانية عشرة ضمن خمسين شخصية مسلمة مؤثرة فى عام 2009 فى كتاب أصدره المركز الملكي للدراسات الاستراتيجية الإسلامية بالأردن، حول أكثر خمسمائة شخصية مسلمة مؤثرة فى عام 2009.
أولئك آبائي فجئني بمثلهم ** إذا جمعتنا يا جرير المجامع

عاشرا: يحاول الكاتب أن يكابر تارة ويلوي عنق النصوص تارة أخرى ويستدل بنصوص فى غير موضعها تارة ثالثة، قائلا: أنه في غفلة عن كل علم في الإسلام بالإمارة والولاية وشروطها وواجباتها وضوابط تنصيب الوالي والأمير وضوابط اعتزاله أو شروط عزله … ونقول للأخ الكريم: كيف والحالة هذه وموجود ضمن أعضاء مكتب الإرشاد على سبيل المثال لا الحصر الدكتور عبد الرحمن البر أستاذ الحديث وعميد كلية أصول الدين والدعوة في جامعة الأزهر، ناهيك عن عشرات المتخصصين من علماء الأزهر فى مجلس شورى الإخوان.

والله الهادي إلى سواء السبيل.

تعليقات فيسبوك
(Visited 65 times, 1 visits today)

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *