قانون إعدام الضعفاء

بقلم : هانى بشر

عند أي حديث عن إلغاء أو إيقاف عقوبة الإعدام يتم استدعاء مسألة القصاص من زوايا دينية شرعية أو جنائية ردعية. ويزيد كثيرون من الشعر بيتا في التنظير لفكرة أن الدول التي ألغت عقوبة الإعدام تشهد جرائم أكثر ارتفاعا من تلك التي تطبقها، وذلك على خلاف الواقع بطبيعة الحال. كما لم تحظ فكرة تجميد أو إلغاء عقوبة الإعدام بأي دعم شعبي يذكر سوى بعض الدعوات في الفترة الأخيرة حين أحيلت أوراق مئات من المتهمين إلى المفتي تمهيدا لإعدامهم في قضايا تشوبها الخصومة السياسية.

من هذه الدعوات كانت دعوة جورج إسحاق عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان العام الماضي بعد أن اقترح تأجيل تطبيق عقوبة الإعدام لعدة سنوات بسبب الظروف التي تمر بها مصر. إلا أنه تراجع عنها صراحة بعد أن زايد المزايدون على أهمية إبقاء هذه العقوبة ووجوب تطبيقها. بل إن المستشار عبد الله فتحي الذي كان قائما بأعمال رئيس نادي القضاة وقتها اعتبر أن هذه الفكرة تدخلا غير مقبول في أعمال السلطة القضائية واستهانة بأحكام القضاء.

وأخيرا جاءت حملة “إعدام وطن” التي أطلقتها التنسيقة المصرية للحقوق والحريات لتعيد النقاش حول هذه القضية إلى الواجهة مرة أخرى بعد مطالبتها بوقف عقوبة الإعدام في مصر وإطلاقها لحملة جمع توقيعات. فقد أصدرت التنسيقة تقريرا حول عقوبة الإعدام في مصر حمل عدة مفاجآت، منها مثلا أن عقوبة الإعدام المنصوص عليها في القانون المصري لا تتعلق بجريمة القتل وحدها إعمالا لمبدأ القصاص، وإنما هناك ١٠٥ جريمة  يعاقب عليها بالإعدام في القوانين والتشريعات المصرية المختلفة. ومنها نصوص شديدة العمومية كالمادة  77 من قانون العقوبات التى تقضى بأنه “يعاقب بالإعدام كل من ارتكب عمداً فعلاً يؤدى إلى المساس باستقلال البلاد أو وحدتها أو سلامة أراضيها.” وجرائم أخرى تتعلق بحيازة المخدرات.  أما في القانون العسكري فهناك مواد مثل المادة 151 التي تنص على عقوبة “الإعدام أو بجزاء أقل منه كل شخص خاضع لقانون الأحكام العسكرية لم يطع أمراً قانونياً صادراً من رئيسه بطريقة يظهر منها رفض السلطة”.

والأسئلة التي تتبادر للذهن مع كل هذه المواد تتعلق بمدى تحقيق القصاص العادل حين يتم تطبيق هذه العقوبة على الجرائم الواردة في المواد السابقة على سبيل المثال لا الحصر. ليس هذا وحسب، بل إن نطاق تطبيق هذه العقوبة في مصر ينحصر في الفئات الفقيرة والمهمشة إعمالا لمبدأ “إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق الفقير أقاموا عليه الحد.” فلم نر أية إعدامات لممدوح إسماعيل الذي تسبب في مقتل الأبرياء في حادث العبارة الشهير ولم نرى أية اعدامات لرموز نظام مبارك بعد الثورة. وغالبا ما يتم تطبيق حكم الإعدام على فئتين أولهما فئة السياسيين وسط خصومة لا تخفى على أحد، والفئة الثانية هي فئة الفقراء المتورطين في قضايا معينة ولا يملكون توكيل محامين يخرجونهم منها كما الشعرة من العجين.

كل هذا يجعل من بقاء هذه العقوبة بوضعها الحالي في التشريعات المصرية سيفا على رقاب الأبرياء أكثر من كونها أداة قصاص عادل. فالأصل في الحدود أنها تدرأ بالشبهات والمبدأ القانوني المستقر هو أن يخطئ القاضي في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة. وعقوبة مثل عقوبة سلب الحياة لا سبيل لتصحيحها مرة أخرى إذا طبقت على متهم وتبين خطأ الحكم. ولا يتسع المقام هنا للتدليل بشكل كاف على تراجع هذه العقوبة في معظم دول العالم المحترمة، حتى تلك التي لا تزال تطبقها تحيط مسألة التطبيق بأدلة إثبات كثيرة جدا تصعب من إمكانية إنزال هذه العقوبة.

إن المعايير الدولية الحديثة لحماية الحق في الحياة وحقوق الإنسان لم تنشأ من فراغ أو نتيجة تنظير مجرد منفصل عن الواقع وإنما نتيجة تجارب مريرة خاضتها شعوب وأمم. ولم يعد أمام المشرع المصري من حجة لوقف العمل بهذه العقوبة سواء وقف مؤقت أو دائم مع أهمية تغيير فلسفة العقوبات وأغراضها. فليس كل تشديد عقوبة على جريمة من الجرائم يتطلب التصاعد العدد لسنين السجن وصولا للإعدام. وهناك ضرورة دراسات اجتماعية موازية تبحث في نتائج مثل هذه التشريعات على أرض الواقع وهل بالفعل قلصت من نطاق الجرائم أم لا.

  • نقلا عن مصر العربية
تعليقات فيسبوك
(Visited 17 times, 1 visits today)

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *