تراجعات أم مراجعات؟

عز الدين الكومى 
يتوالى الهجوم من حين لآخر على جماعة الإخوان المسلمين، ومطالبتهم بعمل مراجعات على غرار مراجعات الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد في تسعينيات القرن الماضي، حتى تكاد تشعر بأن الهدف هو أن يبتعد الإخوان عن المشهد برمته.والحقيقة أن مراجعات الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد، كانت من خلال أدبيات الإخوان المسلمين، خاصة كتب الشيخ الغزالي والدكتور القرضاوي؛ وبالتالي جماعة الإخوان المسلمين لم تنحرف بوصلتها عن المنهج القويم حتى نطالبها بعمل مراجعات لفكرتها التي تنطلق من كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم – و لكن على ما يبدو أن فكرة المراجعات جاءت بعد أن فشل الثورة المضادة، ونشطاء السبوبة في تسويق دعاية أن الإخوان باعونا في محمد محمود، والدعوة للاصطفاف والوحدة وقبول الاختلاف، وأن الاخوان كفصيل سياسي لا يمكن تفرده بالسلطة دون مشاركة الجميع فلا داعي للتخوين وكأن الإخوان يمنعون الاصطفاف.والطريف أنك تجد كل المطالبين للإخوان بعمل مراجعات، إما من المنبطحين لحكم العسكر من الأحزاب الكرتونية ونشطاء السبوبة، أو من الذين قفزوا من مركب الشرعية كعاصم عبد الماجد، أو من مدعى الثورية كسيف عبد الفتاح ومحسوب وغيرهما، أو من يطلق عليهم القيادي السابق من أمثال حبيب والخرباوي والهلباوي ومختار نوح، أو حزب النور محلل الانقلاب العسكري.والملفت للنظر أنهم لا يطلبون نفس المطلب من العسكر المنقلبين على الشرعية والديمقراطية وخيارات الشعب والرئيس المنتخب، بالرغم من أن قائد الانقلاب اعترف في لقاء له مع الدكتور سليم العوا بتاريخ 2013/7/2، عندما قال له الدكتور العوا: الرئيس مرسى يعرض خارطة طريق أراها جيدة، ومن الواجب دراستها والأخذ بها لنحمي البلاد من السقوط في مربع الفوضى، والانهيار لعقود، فرد عليه قائد الانقلاب قائلا: أنا بعمل انقلاب عسكري يا دكتور عارف يعنى إيه انقلاب يا دكتور سليم، يعنى مينفعش أسيب حد منهم على وش الأرض.وبالرغم من هذا الوضوح نجد هذه المطالبات تصدر من بعض المحسوبين على الجماعة الذين ينادون بضرورة إجراء مراجعات داخلية، قائلين: وهذه دعوة لا يمكن تأجيلها بحال من الأحوال بعلة المحنة التي تعيشها الجماعة، لأنها علة لا تصلح دنيويا، ولا تستقيم دينيا حسب زعمهم.فقد قال أحدهم: بضرورة عمل المراجعات على مستوى أفكار الجماعة، لأن الجماعة تحتاج أن تحسم أمرها، هل هي جماعة إصلاحية، أم ثورية؟، فإذا كانت الجماعة قد اختارت الخيار الثوري، فعليها أن تغير أدبياتها للتوافق مع هذا الخيار، فأدبيات الإخوان لا تمت للثورة بصلة، وهل يعقل أن جماعة تواجه انقلابا مدعوما إقليميا ودوليا، تواجهه بأدبيات أفضل ما يقال عنها أنها أدبيات محنة، لمن يريد الثبات والصبر عليها، وليس من يريد أن ينهي المحنة، كما يجب على الجماعة، أن تحدد هل هي جماعة دعوية، والسياسة جزء منها، أم أنها الآن أصبحت كيانا سياسيا والدعوة جزء منه، لذلك يجب عزل جميع قيادات الصف الاول الحالية في جماعة الإخوان المسلمين بمصر لصالح جيل جديد من الشباب، والفصل بين العمل الدعوي والعمل الحزبي داخل الجماعة، و تجديد أدبيات الجماعة ذات الطابع الإصلاحي، لتتناسب مع مرحلة العمل الثوري الحالية، وضرورة قبول أعضاء الجماعة للنقد الموجه إليهم وللجماعة، باعتبار ذلك وسيلة لإصلاحها، وإعمال مبدأ محاسبة قيادات الجماعة في مجال النجاحات والاخفاقات على السواء لأن الجماعة تعاملت مع ملفات الدولة كما تتعامل مع ملفات الدعوة وشتان بين الأمرين.
وقال آخر: يجب أن تركز الجماعة في الأمور الدعوية والاجتماعية وتترك مؤسسة أو مؤسسات أخرى تدخل العمل السياسي التنافسي، وعضو الجماعة الذي يرغب في العمل الحزبي ودخول البرلمان مثلا ينضم لحزب سياسي، لكن الجماعة نفسها لا يكون لها حزب، معلنا التمسك بشعار الجماعة المعروف “الإسلام هو الحل” وقد لعب الإعلام الانقلابي دوراً كبيراً في الترويج لفكرة المراجعات الفكرية لجماعة الإخوان المسلمين ،وأشاع أن أعداداً غفيرة من أعضاء جماعة الإخوان أعلنوا تبرؤهم من العنف الذى يتبناه التنظيم، حتى أن أحد الخوابير الاستراتيجيين، وهو أحد المعروفين بأفلام الخيال العلمي لعسكر كامب ديفيد طالب بضرورة الحذر من مثل هذه المراجعات ،زاعما أن الإخوان ليسوا أصحاب عقيدة أو مبدأ ، فالغاية عندهم تبرر الوسيلة – رمتني بدائها وانسلت.كما حدد بعضهم ما يجب أن تفعله جماعة الإخوان المسلمين في مراجعاتها الفكرية قائلاً: إن المراجعات تستلزم اعترافا واضحا بالأخطاء التي ارتكبت، وتقديم اعتذار عنها، ومن الضروري أن تملك الجماعة جرأة كافية، وتعلن على الملأ، وبلا لف أو دوران، أنها أخطأت وعازمة على تصحيح المنهج المعوج الذي تسبب في كل الكوارث التي كادت أن تكبد الدولة خسائر جسيمة، تصل إلى درجة تهديد وحدتها التاريخية، ولكن الذي تسبب في هذه الكوارث هو الانقلاب العسكري وليس جماعة الإخوان.أما داخلية الانقلاب التي درجت على الكذب أعلنت أن هناك عددا من عناصر تنظيم الإخوان بالسجون، تقدموا بطلبات تتضمن تبرؤهم من أية أعمال إرهابية قام بها التنظيم، ورغبتهم في التصالح مع المجتمع، وزعم المسلماني المستشار الإعلامي لطرطور العسكر، أنه التقى وفدا من شباب الإخوان المنشقين، لطرح مبادرة لمواجهة الفكر المتشدد، ومحاولة اقناع شباب الإخوان بالعدول عن فكرهم من خلال دورات للتوعية.كما أن مفتي الانقلاب والذي لا عمل له إلا التصديق على أحكام الإعدام في القضايا الملفقة للشباب قال: إن سعي الجماعة لإجراء مراجعات هو اعتراف بفشل توظيف الدين لخدمة السياسة وأن المراجعات يجب أن تشمل العديد من القضايا والأطروحات التي انطلقت منها الجماعة وساهمت في موجات العنف والصدام والشقاق، التي أصابت المجتمع المصري، وموقف الجماعة من الوطن والمواطنين، والعلاقة مع الخارج والتبعية له، وقضايا الشريعة والحكم والسلطات العامة في الدولة، ومفاهيم الخلافة والجهاد وغيرها من المفاهيم الأساسية، وأما كرم زهدي قال: ثمن كرسي محمد مرسي الضائع لا يستحق كمية الدماء التي أهدرت بين الإخوان والدولة في سبيل عودة الرجل إلى كرسيه وسلطانه، وأن العنف هو الذي جعل غالبية الشعب المصري الآن يكرهون جماعة الإخوان فكراً وتنظيماً، وعليهم البعد عن الفكر القطبي المسيطر على الجماعة واللجوء إلى العمل السلمي. وقد صاحب هذه المطالبات عددا من المبادرات المشبوهة من نفس العناصر، لكن ثبات الرئيس مرسى، والثوار في الشارع، وقيادات الإخوان في المعتقلات، أجهض كل هذه المحاولات وأفشل كل مخططات العسكر.

تعليقات فيسبوك
(Visited 62 times, 1 visits today)

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *